Pages

Friday, January 27, 2012

رؤية الله تعالى ( قسم الدعوة والدراسات الاسلامية-الجامعة الاسلامية ) رؤية الله تعالى اعلم أن رؤية الله تعالى جائزة من جهة العقل، وهي واجبة للمؤمنين في الآخرة من طريق الشرع، وبها نختم الكتاب إن شاء الله تعالى بعونه وتوفيقه، وإنما ختمنا بها لأنها أعلى الأشياء وأجلها، وبها يختم للمؤمنين المصدقين لها حتى يستحقروا كل نعيم في جنبها، جعلنا الله من أهلها بمنه وفضله، إنه جواد كريم. اعلم أن أهل السنة والجماعة قد جوزوا الرؤية على الله تعالى شرعاً وعقلاً بلا خلاف بينهم على الجملة، وإنما وقع الخلاف بينهم هل يكون ذلك ويجوز في الدنيا أم ذلك في الآخرة خاصة. فكل الصحابة أجمعوا ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة أن الله تعالى يرى في الجنة، يراه المؤمنون بلا خلاف في ذلك. واختلف الصحابة في الرسول عليه السلام هل رآه ليلة المعراج بالقلب أو بعيني الرأس على قولين: فكانت الصديقة عائشة رضي الله عنها في جماعة من الصحابة يقولون: رآه بقلبه دون عيني رأسه، وكان ابن عباس رضي الله عنهما في جماعة من الصحابة رضي الله عنهم يقولون: إنه صلى الله عليه وسلم رآه ليلة المعراج بعيني رأسه. ونحن نقول بقول ابن عباس رضي الله عنهما، فإذا تقرر هذا: فإن المعتزلة، والنجارية، والجهمية، والروافض. والخوارج: الكل منهم ينكرون الرؤية ولا يجوزونها بوجه، حتى قالوا: ولا يرى ولا يرى هو نفسه. وقد قدمنا الأدلة على صحة الرؤية وجوازها فيما تقدم، ولا بد أن نذكر ها هنا طرفاً من الأدلة أيضاً يؤكد ما تقدم ويقويه إن شاء الله. ودليل ذلك من الكتاب والسنة والإجماع ممن يعد إجماعه إجماعاً، ودليل العقل. الإنصاف للباقلاني - (ج 1 / ص 69) فمن أدلة الكتاب قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام: " رب أرني أنظر إليك " وهذا السؤال إنما كان من موسى بعد النبوة، والبعثة، والرسالة، لأن الله تعالى قال: " ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك " ولا يخلو سؤال موسى عليه السلام هذا السؤال بعد النبوة والكمال من أحد أربعة أوجه: إما أن يكون سأل الرؤية بعد علمه بجوازها على ربه، أو مع علمه باستحالتها على ربه، أو سألها وهو شاك في ذلك، أو سألها وهو ذاهل العقل لا يتفهم شيئاً. فلا يجوز أن يكون سأل ذلك مع علمه بأنه يستحيل على ربه، لأن من المحال أن يسأل النبي الكريم ربه ما يستحيل في حقه، ولا يجوز عليه كما يستحيل في حقه سبحانه وتعالى، ولا يجوز أن يكون سأل ذلك وهو شاك جاهل حكم هذه المسألة أو ذاهل لا يدري، لأن هذه المسألة من مسائل أصول الدين، وكيف يجوز على النبي الكريم عليه السلام الشك فيها أو الذهول، أو غفلة القلب عنها. وإذا بطل جميع ذلك لم يبق إلا أنه عليه السلام سأل وهو معتقد جواز الرؤية عليه سبحانه وتعالى. فإذا اعتقد النبي الكريم جوار الرؤية لم يخل من أن يكون مصيباً أو مخطئاً، ولا يجوز أن يخطىء النبي الكريم في اعتقاده، فلم يبق إلا أنه أصاب، وهذا التقرير لا مخرج للمخالف عنه بوجه ولا سبب. فافهمه. فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون موسى لم يسأل الرؤية، وإنما سألها قومه وسألوه أن يسألها لهم، أما أن يكون هو سألها لنفسه فلا. فالجواب: أن هذا تعلل لا ينفعكم ولا ينجيكم مما قررنا وحققنا في اعتقاد موسى عليه السلام جواز الرؤية؛ وذلك: أن موسى عليه السلام لو كان يعتقد استحالة جواز الرؤية لكان قد أنكر عليهم ذلك أشد الإنكار وجهلهم بذلك غاية الجهل. ولم يساعدهم على ذلك. ولا سأل ما جهلهم عليه، ولما ساعدهم كما فعل لما قالوا: " يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون " ولم يسأل ربه أن يجعل لهم إلهاً، لأنه عليم عليه السلام استحالة ذلك. فكيف يسأل له أو لهم الرؤية مع اعتقاده استحالة ذلك عليه سبحانه وتعالى، فلم يبق إلا ما قلناه. جواب آخر: وذلك أن هذا عدول عن الظاهر إلى غيره بغير دليل، لأنه قال " أرني أنظر إليك " فلا يحمل أرني أنظر، على قومي ينظرون إليك، فبطل ما قالوه، وصار هذا بمنزلة قول من قال: قوله أي " أنا اللّه لا إله إلا أنا فاعبدني " أي اعبد غيري، وهذا لا يجوز، فبطل قولهم. فإن قيل: أليس قد قال الله تعالى: " لن تراني " فنص على أنه لا سبيل إلى ما سأله، فالجواب من وجهين: أحدهما: أن هذا لا يمنع من جواز الرؤية، لأن قوله لن تراني إنما تضمن عدم وجود الرؤية عند السؤال، لا استحالة الرؤية على ما قررنا، ولو أراد استحالة الرؤية لقال: لن يجوز أن تراني. وقد لا يوجد الشيء ولا يدل على استحالته، ألا ترى أن أحداً لو سأل نبي زمانه أن يسأل ربه أن يرزقه ولداً، فسأل نبي ذلك الزمان، فأوحى الله تعالى لن يرزق هذا السائل ولداً، هل يدل ذلك على أنه لا يجوز وجود الولد في حق هذا السائل، ويستحيل، بل هو جائز وإن منع من وجوده عقب السؤال، على أن حرف لن لا يقتضي عدم جواز الرؤية في الدنيا والآخرة. ولو قرن بأبد. ألا ترى أنه تعالى قال في حق اليهود: " ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم " يعني الموت ولم يقتضي ذلك أن لا يتمنوه في الدنيا والآخرة، لأنه أخبر تعالى أنهم يتمنون الموت في النار بقوله: " ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك " يعنون الموت، فإذا كان حرف لن مع اقتران أبد به لا يقتضي نفي ذلك في الدنيا والآخرة، فكيف به إذا لم يقرن به أبد، وأيضاً الجواب يجوز فيه الاستثناء، بأن كان يقول: لن تراني في الدنيا ولن تراني إلا وقت كذا وكذا، كما قال أخو يوسف عليه السلام: " فلن أبرح الأرض " ثم استثنى " حتى يأذن لي أبي أو يحكم اللّه لي " فصح أن حرف لن لا يحيل عليه جواز الرؤية، وإنما توجب أن لا توجد الرؤية في هذا الوقت دون جوازها فصح ما قلناه. والجواب الثاني: أن الله تعالى علق جوز الرؤية على أمر جائز، ولو كانت مستحيلة لما علقها على أمر يجوز أن يوجد، وهو استقرار الجبل، فلما كان استقرار الجبل من الجائز دل على أن الرؤية جائزة. الإنصاف للباقلاني - (ج 1 / ص 70) فإن قيل: أليس قد قال موسى عليه السلام: " تبت إليك " قالوا: والتوبة إنما تكون من الخطأ، فلما عم عليه السلام أنه أخطأ تاب، فالجواب من أوجه: أحدها: أن موسى عليه السلام لما رأى عظيم الآية من جعل الجبل دكا، وصعوقه، قال على جاري العادة من القول عند الفزع " تبت إليك " وإن لم يكن سؤاله مستحيلاً، وهذا كما أن الواحد منا إذا سمع الصوت الرعد العظيم، أو رأى الظلمة العظيمة، أو أمراً هائلاً فزع عند ذلك إلى التوبة والاستغفار، وإن لم يكن منه قبل ذلك معصية. أو سؤال مستحيل. وجواب آخر: وهو أنه يحتمل أن موسى عليه السلام ذكر عند هول ما رأى فيه النفس، فجدد التوبة منها وأكدها، وإن لم يكن منه في هذه الحالة ذنب يتاب منه. جواب آخر: يحتمل أن يكون قال: تبت إليك للشدة التي أصابته عند سؤال الرؤية، وإن كانت الرؤية جائزة. كما أن الواحد منا إذا ركب البحر وناله شدة وخوف من هوله وأمواجه، أو سافر فلقى في سفره ما أتعبه وشق عليه يقول: أنا تائب من ركوب البحر ومن السفر، وإن كان ركوب البحر والسفر جائزاً غير محرم. ولا مستحيل، وكذلك مسألتنا مثله. جواب آخر: يحتمل أن يكون قال: " تبت إليك " من أن أسأل مثل هذا الأمر العظيم الجليل قبل الاستئذان فيه، حتى يؤذن لي في السؤال، ولهذا قيل عن موسى عليه السلام: إنه تأدب بعد ذلك، فقال: يا رب أسألك في جميع أموري ؟ قال: نعم يا موسى اسألني في جميع أمورك حتى ملح عجين أهلك. جواب آخر: وهو أن موسى عليه السلام كانت إرادته وهمته تعجيل الرؤية له في الدنيا قبل الآخرة، وكان مراد الله تعالى تأخير الرؤية له إلى الآخرة، وأن لا يتقدم على نبينا صلى الله عليه وسلم في الرؤية، فكأنه قال: تبت عن مرادي وهمتي إلى مرادك. وهذا صحيح، لأن التوبة هي الرجوع، فكأنه رجع عن مراده إلى مراد ربه. فاعلم ذلك. ويدل على صحة ما قدمناه من قوله تعالى. " وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة " وقوله تعالى: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " وقوله: " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " والحجب للكفار عن رؤيته عذاب. فدل على أن المؤمنين غير محجوبين، ولا يعذبون بعذاب الحجاب. فاعلم ذلك. ويدل على ذلك أيضاً الأخبار التي قدمنا ذكرها عند سؤال الصحابة مع قوله عليه السلام في دعائه إنه قال: اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك من غير ضر أو مضر ولا فتنة مضلة وهذا أيضاً تصريح من الرسول عليه السلام في جواز الرؤية، وأنها غير مستحيلة، لأنه لا يسأل صلى الله عليه وسلم في أمر مستحيل، لا سيما بعد تقدم موسى عليه السلام في سؤال الرؤية، وما كان منه، فلو كانت غير جائزة أو مستحيلة لما سألها صلى الله عليه وسلم، فلما سألها دل على الجواز، وبطل ما قال أهل العناد. وبالله التوفيق. ويدل على صحة جواز الرؤية إجماع الصحابة على جوازها في الجملة، وإنما اختلفوا هل عجلها لنبيه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج أم لا ؟ على قولين، ولو لم يقع الاتفاق منهم على جوازها، لما صح هذا الاختلاف، فما وقع هذا الاختلاف فقال بعضهم: عجل ذلك له في الدنيا قبل الآخرة. وقال البعض: لم يرد دليل على الجواز في الجملة وأنه متفق عليه، وإلا كان يقول لمن قال بأنها لم تعجل: فكيف تجوز الرؤية وهي مستحيلة عليه، فلما لم يقل ذلك أحد منهم دل على إجماعهم على جوازها. فاعلم ذلك. ويدل على ذلك من جهة العقل: أنه تعالى موجود، والموجود لا يستحيل رؤيته، وإنما يستحيل رؤية المعدوم. وأيضاً فإنه تعالى يرى جميع المرئيات، وقد قال تعالى: " ألم يعلم بأن اللّه يرى " وقال. " الذي يراك " وكل راء يجوز أن يرى؛ ولا يجوز أن تحمل الرؤية منه تعالى على العلم، لأنه تعالى فصل بين الأمرين، فلا حاجة بنا أن نحمل أحدهما على الآخر، ألا ترى أنه سمى نفسه عالماً، وسمى نفسه مريداً، ولا أن نحمل الإرادة على العلم، كذلك لا نحمل الرؤية على العلم. فاعلمه. الإنصاف للباقلاني - (ج 1 / ص 71) جواب آخر: وهو أن الصحابة سألوا الرسول عليه السلام: هل نرى ربنا ؟ فقال: نعم ولا يجوز أن يكون سؤالهم: هل نعلم ربنا أو يعلمنا ربنا؛ فبطل قول من يحمل الرؤية على العلم، ولهذا أجاب صلى الله عليه وسلم: سترونه كما يرى القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب وكما ترى الشمس ليس دونها سحاب يعني لا تشكون في رؤيته كما لا يشك من رأى القمر والشمس فيها، فشبه الرؤية بالرؤية في نفي الشك عن الرائي، ولم يشبه المرئي بالمرئي. فاعلم ذلك. فصل في ذكر الأجوبة عن آيات يحتجون بها، وأخبار، وشبه في نفي الرؤية. فإن احتجوا بقوله تعال: " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار " قالوا: فأخرج ذلك مخرج التمدح، كما تمدح بقوله تعالى: " بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد " فكيف يجوز أن يزول عن مدحته، فالجواب عن هذه الآية من وجوه عدة: أحدها: أن يقال لهم: ما أنكرتم على قائل يقول لكم، لا حجة لكم في ذلك، لأن التمدح إنما وقع في قوله تعالى: " وهو يدرك الأبصار " لأن كون الشيء لا يدرك بالأبصار لا يدل على مدحه، ألا ترى المعدوم لا تدركه الأبصار، ولا يوجب كون ذلك مدحة له، وكذلك عندكم العطور والروائح وأكثر الأعراض لا تدرك بالأبصار، وليست بممدوحة، لأنها لا تدركها الأبصار. فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون متمدحاً بأنه يدرك الأبصار وأنها لا تدركه ؟ قيل لهم: لأن للوصفين الذين يتمدح بهما لا بد أن يكون في كل واحد منهما مدح بمجرده نحو قوله تعالى: " عزير حكيم " و " عليم قدير " فكل واحد من الوصفين مدح في نفسه، تجدد أو انضم إلى غيره، ولما لم يكن كون المعدوم غير مدرك بالبصر مدحاً له عندنا وعندكم بطل ما قلتم. جواب آخر: وهو أن نقول الآية حجة عليكم وذلك قوله: " وهو يدرك الأبصار " فحسب، وإنما أراد أنه يدرك جميع المرئيات، فأثبت تعالى أنه يرى الأشياء لأنه موجود، قادر على الرؤية، وسائر الأشياء الموجودة التي يجوز أن ترى، لكن تمدح تعالى بأن كل راء يجوز أن يرى، لكن هو تعالى مع جواز رؤيته منعنا من الإدراك له، بأن يحدث في أبصارنا مانعاً يمنعنا من رؤيته؛ فالمدح وقع بكونه قادراً على ذلك دون غيره من الخلق، فصار هذا بمنزلة تمدحه تعالى بكونه محيياً مميتاً، أي لا يقدر على ذلك غيره، وإن جاز أن يميت الحي ويحيي الميت، فكذلك لا يمدح تعالى بأن يحدث مانعاً في البصر من الإدراك، وإن جاز أن يزيل ذلك المانع حتى نراه تعالى بلا كيف، ولا شبه، ولا تحديد. فاعلم ذلك. جواب آخر: وهو أن المعتزلة لا يصح لهم الاحتجاج بهذه الآية؛ لأن عند البصريين منهم أنه لم يعن بالإدراك الرؤية، لأن البصر عندهم عرض؛ فلا يدرك عند البغداديين منهم: أنه تعالى لا يرى شيئاً، إنما المراد بالإدراك العلم، فهو يعلم الأبصار عندهم، والأبصار لا تعلمه، فبطل احتجاج الجميع منهم بهذه الآية، لأن عندهم لا يراد بالإدراك الرؤية، فلا يصح لهم الاحتجاج بها في نفي الرؤية. جواب آخر: وهو أن الآية لا حجة فيها، لأنه قال: " لا تدركه الأبصار " ولم يقل لا تراه الأبصار، والإدراك بمعنى يزيد على الرؤية، لأن الإدراك: الإحاطة بالشيء من جميع الجهات، والله تعالى لا يوصف بالجهات، ولا أنه في جهة، فجاز أن يرى وإن لم يدرك، وهذا كما قال تعالى في قصة اللعين فرعون: " حتى إذا أدركه الغرق " يعني أحاط به من جميع جوانبه، فالغرق لا يوصف بأنه يرى، وإنما يوصف بأنه أحاط بالشيء. كذلك المؤمن يوصف بأنه يرى ربه ولا يدركه بالإحاطة، وهذا كما نقول: إنا نعلم ربنا، ولا نقول إنا نحيط بربنا، فكما كانت الإحاطة معنى يزيد على العلم كذلك الإدراك معنى يزيد على الرؤية، وهذا صحيح. لأنا نجمع بين قوله تعالى: " فاعلم أنه لا إله إلا اللّه " وبين قوله: " ولا يحيطون به علماً " ونجمع بين قوله تعالى: " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " وبين قوله تعالى: " لا تدركه الأبصار " فنقول: معلوم ولا يحاط به، ومرئي ولا يدرك. فصح ما قلناه، وبطل قول الغير. جواب آخر: أن معنى الآية لا تدركه الأبصار في الدنيا، وإن جاز أن تدركه في الآخرة، ليجمع بين قوله تعالى: " لا تدركه الأبصار " وبين قوله تعالى: " إلى ربها ناظرة " . الإنصاف للباقلاني - (ج 1 / ص 72) جواب آخر: " لا تدركه الأبصار " يعني أبصار الكفار دون المؤمنين، ليجمع بين قوله تعالى: " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " وبين قوله تعالى: " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " وهذا صحيح؛ لأن الحجاب لما كان للكفار دون المؤمنين، كذلك الرؤية للمؤمنين دون الكفار. جواب آخر: وهو أن أبصار الخلق لا تدركه في الدنيا والآخرة؛ لأن هذه الأبصار جعلت للفناء، وإنما يحدث لهم بصراً غير هذا البصر، ويكون باقياً غير فان فيرى الباقي بالباقي، وقد قيل: إنه تعالى يحدث لأوليائه حاسة سادسة غير هذه الحواس الخمس يرونه بها. وقال هذا القائل: الله أخبر في كتابه العزيز: أنه يراه أهل الجنة، وخبره حق لا يدفع بالشبهة، ولا يمكن الجمع إلا بما قلناه من إحداث حاسة يرى بها الله تعالى، دون هذه الحواس. والله أعلم بالصواب. جواب آخر: وهو أن يحمل " لا تدركه الأبصار " على أنها لا تدركه في جهة، ولا تدركه جسماً ولا صورة ولا متحيزاً ولا حالاً في شيء " وهو يدرك الأبصار " على جميع هذه الصفات، وتكون الحكمة فيه الرد على النصارى وأهل التشبيه ومن يقول بالجهة والحيز والصورة، وغير ذلك مما لا يليق به سبحانه وتعالى. فإن احتجوا بقوله تعالى: " يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا اللّه جهرة " فأكبر الله هذا السؤال فأنكره. قيل لهم: لا حجة لكم في ذلك، لأن الله تعالى ما أكبر ذلك لكونه مستحيلاً، وإنما أنكره لأنهم سألوه ذلك على وجه التعنت، ألا ترى أنه أنكر عليهم سؤالهم تنزيل الكتاب من السماء، وليس ذلك بمستحيل، وإنما أنكروا استكباراً وتعنتاً منهم لمحمد صلى الله عليه وسلم وتشكيكاً للناس في نبوته؛ لأن عندهم التوراة، والإنجيل، والفرقان، وكل ذلك منزل من عند الله، وإنما أرادوا بذلك التلبيس على العوام، حتى لا يصدقوا بنبوته صلى الله عليه وسلم، وتركوا ما أوجب الله عليهم من الإيمان به في التوراة والإنجيل، كما قال تعالى: " الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل " فإكباره تعالى سؤالهم ذلك لأجل هذه المعاني لا يكون ذلك مستحيلاً. وهذا كما أنكر تعالى سؤال قريش لما قالوا: " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً أو تكون لك جنة من نخيل وعنب أو ترقى في السماء " وكل ذلك جائز غير مستحيل، لكن أنكره عليهم وأكبره لما كان ذلك على وجه التعنت والتكذيب، لما قد وضح من آياته وحججه، وكذلك أنكر سؤالهم الرؤية لموسى عليه السلام على وجه التعنت، لا لكونها مستحيلة. فإن احتجوا بالخبر المروي عن عائشة رضي الله عنها لما قال لها ابن الزبير وهو ابن أختها يا أماه: هل رأى محمد ربه ؟ فقالت: يا ابن أختي لقد قف شعر بدني، والله تعالى يقول: " وما كان لبشر أن يكلمه اللّه إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء " قالوا: فموضع الدليل من الخبر أنها أكبرت ذلك ونفت الرؤية عن الله تعالى؛ فدل أن ذلك مستحيل في حقه سبحانه وتعالى. الجواب من أوجه: أحدها: أن ابن عباس رضي الله عنه وغيره من الصحابة قد صرحوا بأن محمداً رأى ربه ليلة أسرى به بعيني رأسه، ولو كان ذلك مستحيلاً لم يقع الخلاف فيه بين الصحابة، كما لم يقع بينهم الخلاف في ما هو مستحيل على الله تعالى من الولد والزوجة والشريك ونحو ذلك. فلما وقع بينهم الخلاف في ذلك وانقرض عصرهم على ذلك، دل على أن الرؤية جائزة غير مستحيلة. فبطل ما ذكر. وجواب آخر: وهو أن عائشة رضي الله عنها إنما خالفت فيما رأى به محمد ربه، فعندها رآه بالقلب دون العين، وعند غيرها من الصحابة رآه بالقلب والعين معاً، فقد وقع الإجماع منهم على جواز الرؤية عليه تعالى، وإنما اختلفوا فيما به رآه، لا أصل جواز الرؤية عليه، لأن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم رؤية حقيقية لا رؤية مجاز، بخلاف الواحد منا، لأن رؤيته بالقلب قد تكون حقيقة وقد تكون تخيلاً ومجازاً، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: تنام عيناي، ولا ينام قلبي وقال عليه السلام: إني أراكم من وراء ظهري ورؤية الأنبياء عليهم السلام حقيقة بالقلب والعين. الإنصاف للباقلاني - (ج 1 / ص 73) دليله: قصة إبراهيم عليه السلام: " إني أرى في المنام أني أذبحك، قال يا أبت افعل ما تؤمر " فصح أن الإجماع قد وقع من الصحابة رضي الله عنهم في جواز الرؤية على الله تعالى، وإن وقع الخلاف بما رآه الرسول عليه السلام ليلة الإسراء، فصار ذلك حجة على المخالف لا له. جواب آخر: وهو أن عائشة رضي الله عنها إنما أنكرت رؤية الباري بأبصار العيون في دار الدنيا، لا على الإطلاق، ولهذا روى عن أبيها وعنها رضي الله عنها وعن جميع الصحابة أنهم فسروا قوله تعالى: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " قالوا: الزيادة النظر إلى الله تعالى في الجنة، وقد روى هذا مرفوعاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فصح مذهب أهل السنة والجماعة بحمد الله تعالى، وبطل شبه المخالف واندحض مكره. ولله المنة والحجة البالغة. فإن احتجوا فقالوا: لو جاز عليه سبحانه وتعالى الرؤية بالأبصار لوجب أن يكون جسماً، أو جوهراً، أو عرضاً، أو محدوداً، أو حالاً في مكان، أو مقابلاً أو خلفاً، أو عن يمين. أو عن شمال، أو يكون من جنس المرئيات؛ لأننا لم نعقل مرئياً بالبصر إلا كذلك، فلما استحال عليه جميع هذه الوجوه بطل أن يكون مرئياً، أو يجوز عليه الرؤية، وهذا في تصورهم الفاسد من أعظم الحجج عندهم في نفي الرؤية عنه سبحانه وتعالى، وهي عند أهل السنة والجماعة من أسقط الحجج فليس هو اليوم مرئياً لخلقه ومدركاً لهم، ولا تجوز الإشارة في وصفه تعالى. فالجواب أن نقول لهم: هذه الحجة الباطلة تؤدي إلى إبطال الربوبية أصلاً ورأساً، أو تؤدي إلى إيجاب كون ربنا تعالى يشبه المخلوقات، لأن من أنكر الصانع القديم يقول لنا: لو كان لنا صانعاً لوجب أن يكون جسماً، أو جوهراً، أو عرضاً، أو ذا علة وطبع وآلة، وغير ذلك؛ لأنا لم نعقل صانعاً إلا على هذه الأوصاف، وأنتم تنفون عنه جميع هذه الأوصاف، فبطل أن يكون ثم صانع، بل تصنع نفسها أو يصنعها من هو على هذه الأوصاف، وكذلك نقول: في العلم والحياة، لأن العالم، والحي، لا يعقل إلا جسماً، أو جوهراً، أو عرضاً، أو ذا علة أو فكر، أو روية وغير ذلك. وقد وقع الإجماع منا ومنكم أنه عالم، وأنه حي، وأنه معلوم بالقلب، وأنه موجود؛ ثم كونه عالماً ومعلوماً، وموجوداً يصح وصفه بجميع ذلك، وإن لم يكن جسماً، ولا جوهراً، ولا عرضاً، ولا ذا علة، ولا محدوداً ولا حالاً في مكان، بخلاف العالم منا، والمعلوم منا، والموجود منا. فكذلك لا يستحيل أن يكون مرئياً وليس ذا جسم ولا جوهر ولا عرض، فبطل زعمكم وصح الحق وظهر أمر الله وأنتم كارهون. فإن احتجوا فقالوا: لو كان تعالى مرئياً، أو تجوز عليه الرؤية لرأيناه الساعة لأن الموانع من الرؤية يستحيل وصفه بها؛ لأنه لا يوصف بالدقة والرقة، والحجاب والبعد، وكل مانع من الرؤية. فلو جاز أن يكون مرئياً لرأيناه الساعة لانعدام هذه الموانع في حقه. فالجواب: أن جميع ما ذكرتم لا يمنع من الرؤية، لأن الملائكة فيهم من الدقة، واللطافة، ما ليس في غيرهم، وبعضهم يرى بعضاً، والميت يراهم عند النزع، والرسول كان يرى جبريل عليه السلام، فبطل أن تكون الدقة، والرقة، واللطافة، مانعة من الرؤية. وكذلك البعد لا يمنع الرؤية، لأن السماء أبعد الأشياء منا والكواكب فيها، لأن بيننا وبينها خمسمائة عام، ونحن نراها، ولم يمنعنا بعدها من رؤيتها، وكذلك الحجاب لا يمنع من الرؤية؛ لأن الله تعالى يرى ما تحت التحت، ودونه ألف ألف حجاب عند الخلق. وكذلك الهدهد يرى الماء من تحت الأرض ودون حجاب وحجاب، فبطل أن يكون جميع ما ذكرتم هو المانع من الرؤية، حتى يجب أن نراه الساعة. الإنصاف للباقلاني - (ج 1 / ص 74) فإن قيل: فما المانع من الرؤية الساعة له تعالى ؟ قلنا: إن المانع هو ما خلقه في أبصارنا من قلة الإدراك لبعض المرئيات دون بعض، فإذا خلق فينا إدراكاً رأينا مرئياً لم نكن نراه من قبل؛ ألا ترى أن الواحد منا لا يرى اليوم ملك الموت إذا نزل بأخيه وأبيه، ويراه إذا نزل به، وليس ذلك إلا لأنه لم يخلق الله في بصره إدراكاً له عند موت غيره، وخلق في بصره إدراكاً له عند موته. وكذلك الفرس، والهر وكثير من الحيوان يرون الصورة والشخص في ظلام الليل وسواده، ونحن لا نرى ذلك؛ وما ذلك إلا لأن الله تعالى خلق في بصرها إدراكاً حتى رأت، ولم يخلق في أبصارنا إدراكاً حتى نرى، كما ترى؛ فكذلك لم يخلق في أبصارنا إدراكاً له في الدنيا حتى نراه، ويخلق لنا إن شاء الله في جنته إدراكاً حتى نراه، كما وعدنا ووعده الحق الصدق الذي لا يخلف. فإن قالوا: وإذا كان الأمر كذلك، فجوزوا أن يخلق الله لكم إدراكاً ترون به ذرة، ويخلق فيكم عدم إدراك فيل إلى جنبها. قلنا: هذا جائز في قدرته سبحانه وتعالى، ولهذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه في الصلاة لما عرضت عليه الجنة والنار، ونظر إلى كل واحدة منهما في عرض الحائط، وهما من أعظم المخلوقات، وأصحابه كانوا يدركون الذرة على ثوبه صلى الله عليه وسلم، ولون ثوبه مع صغر ذلك، ولم يدركوا ما أدرك. ولم يروا ما أرى، ولا يقدح في هذا إنكار من أنكر من المعتزلة، أن الجنة والنار لم تخلقا بعد، لأن الكل منهم سلم إلى الرسول عليه السلام أنه قد رأى في هذه الحالة شيئاً من الجنة والنار، أو ما هو على صورهما، يخلق منهما إذا خلقتا، واختص هو صلى الله عليه وسلم برؤية ما لم يره أصحابه، وإن كانوا يرون الذرة لو دبت على قميصه صلى الله عليه وسلم، وإن لم يروا ما هو أكبر منها وأعظم. وأبين من هذا: أن بعض الخلق يدرك صوتاً خفياً جداً، ولا يدرك صوتاً عالياً جداً، وإن وجد الصوتان في وقت واحد، ومسافة واحدة، وقد رأينا ذلك عياناً؛ فإن بعض الطرش إذا تكلم عنده رجل فأخفى صوته غاية الإخفاء، وتكلم آخر عنده بصوت من أعلى الأصوات أدرك الصوت الخفي، ولم يدرك الصوت العالي؛ وليس ذلك إلا لما ذكرناه، وهو أن الله تعالى خلق في سمعه إدراك الصوت الخفي، ولم يخلق في سمعه إدراك الصوت العالي، فكذلك يجوز أن يخلق في بصرنا إدراك الذرة الصغيرة، ويخلق فيها مانعاً من إدراك الفيل الكبير " واللّه على كل شيء قدير " . فإن قيل: فإذا كان كذلك فيجب أن يجوز أن يكون بحضرتنا ذرة ننظر إليها وندركها، ويجوز أن يكون إلى جنبها فيلة وأجمال وأنهار جارية، لأن ذلك جائز في المقدور، أو نشك في ذلك، ولعله يكون بحضرتنا ونحن لا نراه. الجواب: أن هذا تخبط وجهل وقلة فهم؛ لأنه لا يلزمنا أن يجوز أن يكون بحضرتنا كل ما هو جائز في مقدور الله تعالى، ولا نشك فيه، لأن ذلك لو لزم للزمنا أن نجوز أن يكون بحضرتنا وعندنا في الدنيا جنة ونار، ونشك في ذلك؛ لأن الله تعالى قادر على ذلك، ولما لم يلزم ذلك لم يلزم ما ذكرتم، وكذلك أيضاً من الجائز في قدرته تعالى أن يخلق اليوم رجلاً لا من ذكر ولا من أنثى، ثم لا يجب علينا أن نجوز أنه الآن عندنا موجود أو نشك فيه، فكذلك ما قلتم، وكذلك أيضاً يجوز في مقدور تعالى أن يميت أهل بلدة نحن فيها كلهم، ثم لا يلزم أن يجوز ذلك الآن أو نشك فيه، فكذلك ما قلتم؛ فليس كل جائز يجب أن يكون بحضرتنا، أو نشك فيه؛ فبطل ما قلتم، وصح الحق. فإن احتجوا فقالوا: لو جاز أن يكون مرئياً لجاز أن يقال: يرى كله أو بعضه. فالجواب: أن هذا محال من القول؛ لأن إطلاق الكل والبعض إنما يجوز على من كان ذا كل أو بعض، والله تعالى منزه عن الوصف بالكل والبعض، وهذا بمنزلة قائل يقول لنا: لو كان معلوماً لجاز أن نقول: نعلم كله أو بعضه، فنقول له: لا نقول نعلم كلاً ولا بعضاً، بل نقول نعلم واحداً أحداً فرداً صمداً: " ليس كمثله شيء " فكذلك نقول: نرى واحداً أحداً فرداً صمداً ليس كمثل شيء وهو السميع البصير. فإن قيل: لو كان أهل الجنة يرون ربهم تعالى ثم لا يرونه لكانت أحوالهم قد تناقضت وعادت من منزلة أعظم إلى منزلة أدون، ولا يجوز أن تتناقص أحوال أهل الجنة. الإنصاف للباقلاني - (ج 1 / ص 75) فالجواب: أن الأمر ليس على ما يقع لكم، لأن تناقص الأحوال أن يريد المرء حالة عالية فيبقى في حالة ناقصة، أو يريد ملاذاً فلا يصل إليها، عالية كانت أو دون ذلك، فأهل الجنة بحمد الله تعالى قد تكاملت حالتهم، إذ كانوا بحيث إذا شاؤا رأوا ربهم، وإذا شاؤا اشتغلوا بملاذهم، ولا يكون ذلك نقصاً في أحوالهم، ولا يلزم على هذا التقرير أن يقال: فهذا نقص في حق أهل الجنة إذا شاؤا الخلوة بالتلذذ عن رؤية ربهم تعالى. قيل هذا يلزمكم أنتم دوننا، لأنا نحن نقول: هم " لا يشاؤن إلا ما شاء اللّه لهم " فهم به وله في كل أحوالهم، فإذا شاء لهم الرؤية شاؤوها وتلذذوا بها، وإذا شاء لهم الخلوة شاؤوها وتلذذوا بها، ولا نقص عليهم في ذلك، ولا يلزم ما قلتم. جواب آخر: وهو أن أهل الجنة يجتمعون بالنبي صلى الله عليه وسلم، وينظرون إليه، والاجتماع به والنظر إليه أعلى من الاجتماع بالحور والقصور، والنظر إلى الحور والقصور، ثم يشتغلون بالحور والقصور بعد نظره صلى الله عليه وسلم، وإن عادوا إلى قصورهم ونعيمهم، وإن كان نظره أعظم وأعلى من ذلك، فجاز مثل ذلك أيضاً في جواز رؤية الباري، وإن كانت أعلى الأشياء وأجلها، فثبت ما قلناه، وبطل التمويه بحمد الله. فإن قيل: إذا كان مرئياً فخبرونا ما هو ؟. قيل لهم إن أردتم بقولكم: ما هو: أي ما صورته، وجنسه، وطوله، وعرضه إلى غير ذلك مما لا يجوز عليه، فليس بذي صورة ولا جنس ولا طول ولا عرض، وقد قدمنا الأدلة على أنه لا يشبه خلقه ولا يشبهونه. وإن أردتم بقولكم ما هو: ما اسمه ؟ فاسمه: الله، الرحمن، الرحيم، الحي، القيوم، وإن أردتم بقولكم ما هو صنعه ؟ فصنعه: العدل، والإحسان، والإنعام، والسموات والأرض وجميع ما بينهما، وإن أردتم بقولكم ما هو. ما الدلالة على وجوده ؟. فالدلالة على وجوده جميع ما نراه ونشاهده من محكم فعله وعجيب تدبيره، وإن أردتم بقولكم ما هو ؟ أي أشيروا لنا إليه حتى نراه، ولم أنها لا تصح إلا في المسجد ؟..... ؟ جواب آخر: وهو أن هذه الأخبار تحمل على وجه التغليظ والمبالغة في الزجر، حتى يقف الناس عن هذه الأمور ولا يقدموا عليها، وهذا كقول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم فليقض بين الجد والإخوة. ولم يرد عليه السلام الإعراض عن الحكم أصلاً بين الجد والإخوة، فإنه قد حكم عدة نوب بقضايا مختلفة بين الجد والإخوة. فإن قيل: فإذا كان مرئياً فكيف هو ؟ قيل لهم: إن أردتم بقولكم كيف هو: على أي تركيب، أو على أي صورة هو، أو على أي جنس هو ؟ فلا تركيب له، ولا صورة ولا جنس فنخبركم عن ذلك، وإن أردتم بقولكم كيف هو وعلى أي صفة هو ؟ فهو قديم، حي، عالم، قادر، متكلم، سميع، بصير، مريد، وإن أردتم بقولكم كيف هو، كيف صنعه إلى خلقه. فصنعه إليهم الإحسان، والعدل، والتفضل، والامتنان، فإن قيل إذا كان مرئياً فأين هو ؟ قيل لهم إن أردتم أين هو في وصف المنزلة والرفعة والجلال فهو كما وصف نفسه بقوله تعالى: " وهو القاهر فوق عباده " وبقوله: " الرحمن على العرش استوى " وبقوله تعالى: " وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله " ، وبقوله تعالى: " إن ربك لبالمرصاد " قيل لهم: الأين سؤال عن مكان وليس هو مما يحويه مكان، لما قدمنا من الحجج والبراهين بحمد الله الملك المنان. وحسبي الله ونعم الوكيل.


                                                               رؤية الله تعالى                          

اعلم أن رؤية الله تعالى جائزة من جهة العقل، وهي واجبة للمؤمنين في الآخرة من طريق الشرع، وبها نختم الكتاب إن شاء الله تعالى بعونه وتوفيقه، وإنما ختمنا بها لأنها أعلى الأشياء وأجلها، وبها يختم للمؤمنين المصدقين لها حتى يستحقروا كل نعيم في جنبها، جعلنا الله من أهلها بمنه وفضله، إنه جواد كريم.
اعلم أن أهل السنة والجماعة قد جوزوا الرؤية على الله تعالى شرعاً وعقلاً بلا خلاف بينهم على الجملة، وإنما وقع الخلاف بينهم هل يكون ذلك ويجوز في الدنيا أم ذلك في الآخرة خاصة.
فكل الصحابة أجمعوا ومن بعدهم من أهل السنة والجماعة أن الله تعالى يرى في الجنة، يراه المؤمنون بلا خلاف في ذلك. واختلف الصحابة في الرسول عليه السلام هل رآه ليلة المعراج بالقلب أو بعيني الرأس على قولين: فكانت الصديقة عائشة رضي الله عنها في جماعة من الصحابة يقولون: رآه بقلبه دون عيني رأسه، وكان ابن عباس رضي الله عنهما في جماعة من الصحابة رضي الله عنهم يقولون: إنه صلى الله عليه وسلم رآه ليلة المعراج بعيني رأسه. ونحن نقول بقول ابن عباس رضي الله عنهما، فإذا تقرر هذا: فإن المعتزلة، والنجارية، والجهمية، والروافض. والخوارج: الكل منهم ينكرون الرؤية ولا يجوزونها بوجه، حتى قالوا: ولا يرى ولا يرى هو نفسه. وقد قدمنا الأدلة على صحة الرؤية وجوازها فيما تقدم، ولا بد أن نذكر ها هنا طرفاً من الأدلة أيضاً يؤكد ما تقدم ويقويه إن شاء الله.
ودليل ذلك من الكتاب والسنة والإجماع ممن يعد إجماعه إجماعاً، ودليل العقل.
الإنصاف للباقلاني - (ج 1 / ص 69)
فمن أدلة الكتاب قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام: " رب أرني أنظر إليك " وهذا السؤال إنما كان من موسى بعد النبوة، والبعثة، والرسالة، لأن الله تعالى قال: " ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك " ولا يخلو سؤال موسى عليه السلام هذا السؤال بعد النبوة والكمال من أحد أربعة أوجه: إما أن يكون سأل الرؤية بعد علمه بجوازها على ربه، أو مع علمه باستحالتها على ربه، أو سألها وهو شاك في ذلك، أو سألها وهو ذاهل العقل لا يتفهم شيئاً. فلا يجوز أن يكون سأل ذلك مع علمه بأنه يستحيل على ربه، لأن من المحال أن يسأل النبي الكريم ربه ما يستحيل في حقه، ولا يجوز عليه كما يستحيل في حقه سبحانه وتعالى، ولا يجوز أن يكون سأل ذلك وهو شاك جاهل حكم هذه المسألة أو ذاهل لا يدري، لأن هذه المسألة من مسائل أصول الدين، وكيف يجوز على النبي الكريم عليه السلام الشك فيها أو الذهول، أو غفلة القلب عنها. وإذا بطل جميع ذلك لم يبق إلا أنه عليه السلام سأل وهو معتقد جواز الرؤية عليه سبحانه وتعالى. فإذا اعتقد النبي الكريم جوار الرؤية لم يخل من أن يكون مصيباً أو مخطئاً، ولا يجوز أن يخطىء النبي الكريم في اعتقاده، فلم يبق إلا أنه أصاب، وهذا التقرير لا مخرج للمخالف عنه بوجه ولا سبب. فافهمه.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون موسى لم يسأل الرؤية، وإنما سألها قومه وسألوه أن يسألها لهم، أما أن يكون هو سألها لنفسه فلا.
فالجواب: أن هذا تعلل لا ينفعكم ولا ينجيكم مما قررنا وحققنا في اعتقاد موسى عليه السلام جواز الرؤية؛ وذلك: أن موسى عليه السلام لو كان يعتقد استحالة جواز الرؤية لكان قد أنكر عليهم ذلك أشد الإنكار وجهلهم بذلك غاية الجهل. ولم يساعدهم على ذلك. ولا سأل ما جهلهم عليه، ولما ساعدهم كما فعل لما قالوا: " يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون " ولم يسأل ربه أن يجعل لهم إلهاً، لأنه عليم عليه السلام استحالة ذلك. فكيف يسأل له أو لهم الرؤية مع اعتقاده استحالة ذلك عليه سبحانه وتعالى، فلم يبق إلا ما قلناه.
جواب آخر: وذلك أن هذا عدول عن الظاهر إلى غيره بغير دليل، لأنه قال " أرني أنظر إليك " فلا يحمل أرني أنظر، على قومي ينظرون إليك، فبطل ما قالوه، وصار هذا بمنزلة قول من قال: قوله أي " أنا اللّه لا إله إلا أنا فاعبدني " أي اعبد غيري، وهذا لا يجوز، فبطل قولهم.
فإن قيل: أليس قد قال الله تعالى: " لن تراني " فنص على أنه لا سبيل إلى ما سأله، فالجواب من وجهين: أحدهما: أن هذا لا يمنع من جواز الرؤية، لأن قوله لن تراني إنما تضمن عدم وجود الرؤية عند السؤال، لا استحالة الرؤية على ما قررنا، ولو أراد استحالة الرؤية لقال: لن يجوز أن تراني. وقد لا يوجد الشيء ولا يدل على استحالته، ألا ترى أن أحداً لو سأل نبي زمانه أن يسأل ربه أن يرزقه ولداً، فسأل نبي ذلك الزمان، فأوحى الله تعالى لن يرزق هذا السائل ولداً، هل يدل ذلك على أنه لا يجوز وجود الولد في حق هذا السائل، ويستحيل، بل هو جائز وإن منع من وجوده عقب السؤال، على أن حرف لن لا يقتضي عدم جواز الرؤية في الدنيا والآخرة. ولو قرن بأبد. ألا ترى أنه تعالى قال في حق اليهود: " ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم " يعني الموت ولم يقتضي ذلك أن لا يتمنوه في الدنيا والآخرة، لأنه أخبر تعالى أنهم يتمنون الموت في النار بقوله: " ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك " يعنون الموت، فإذا كان حرف لن مع اقتران أبد به لا يقتضي نفي ذلك في الدنيا والآخرة، فكيف به إذا لم يقرن به أبد، وأيضاً الجواب يجوز فيه الاستثناء، بأن كان يقول: لن تراني في الدنيا ولن تراني إلا وقت كذا وكذا، كما قال أخو يوسف عليه السلام: " فلن أبرح الأرض " ثم استثنى " حتى يأذن لي أبي أو يحكم اللّه لي " فصح أن حرف لن لا يحيل عليه جواز الرؤية، وإنما توجب أن لا توجد الرؤية في هذا الوقت دون جوازها فصح ما قلناه.
والجواب الثاني: أن الله تعالى علق جوز الرؤية على أمر جائز، ولو كانت مستحيلة لما علقها على أمر يجوز أن يوجد، وهو استقرار الجبل، فلما كان استقرار الجبل من الجائز دل على أن الرؤية جائزة.
الإنصاف للباقلاني - (ج 1 / ص 70)
فإن قيل: أليس قد قال موسى عليه السلام: " تبت إليك " قالوا: والتوبة إنما تكون من الخطأ، فلما عم عليه السلام أنه أخطأ تاب، فالجواب من أوجه: أحدها: أن موسى عليه السلام لما رأى عظيم الآية من جعل الجبل دكا، وصعوقه، قال على جاري العادة من القول عند الفزع " تبت إليك " وإن لم يكن سؤاله مستحيلاً، وهذا كما أن الواحد منا إذا سمع الصوت الرعد العظيم، أو رأى الظلمة العظيمة، أو أمراً هائلاً فزع عند ذلك إلى التوبة والاستغفار، وإن لم يكن منه قبل ذلك معصية. أو سؤال مستحيل.
وجواب آخر: وهو أنه يحتمل أن موسى عليه السلام ذكر عند هول ما رأى فيه النفس، فجدد التوبة منها وأكدها، وإن لم يكن منه في هذه الحالة ذنب يتاب منه.
جواب آخر: يحتمل أن يكون قال: تبت إليك للشدة التي أصابته عند سؤال الرؤية، وإن كانت الرؤية جائزة. كما أن الواحد منا إذا ركب البحر وناله شدة وخوف من هوله وأمواجه، أو سافر فلقى في سفره ما أتعبه وشق عليه يقول: أنا تائب من ركوب البحر ومن السفر، وإن كان ركوب البحر والسفر جائزاً غير محرم. ولا مستحيل، وكذلك مسألتنا مثله.
جواب آخر: يحتمل أن يكون قال: " تبت إليك " من أن أسأل مثل هذا الأمر العظيم الجليل قبل الاستئذان فيه، حتى يؤذن لي في السؤال، ولهذا قيل عن موسى عليه السلام: إنه تأدب بعد ذلك، فقال: يا رب أسألك في جميع أموري ؟ قال: نعم يا موسى اسألني في جميع أمورك حتى ملح عجين أهلك.
جواب آخر: وهو أن موسى عليه السلام كانت إرادته وهمته تعجيل الرؤية له في الدنيا قبل الآخرة، وكان مراد الله تعالى تأخير الرؤية له إلى الآخرة، وأن لا يتقدم على نبينا صلى الله عليه وسلم في الرؤية، فكأنه قال: تبت عن مرادي وهمتي إلى مرادك. وهذا صحيح، لأن التوبة هي الرجوع، فكأنه رجع عن مراده إلى مراد ربه. فاعلم ذلك.
ويدل على صحة ما قدمناه من قوله تعالى. " وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة " وقوله تعالى: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " وقوله: " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " والحجب للكفار عن رؤيته عذاب. فدل على أن المؤمنين غير محجوبين، ولا يعذبون بعذاب الحجاب. فاعلم ذلك.
ويدل على ذلك أيضاً الأخبار التي قدمنا ذكرها عند سؤال الصحابة مع قوله عليه السلام في دعائه إنه قال: اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك من غير ضر أو مضر ولا فتنة مضلة وهذا أيضاً تصريح من الرسول عليه السلام في جواز الرؤية، وأنها غير مستحيلة، لأنه لا يسأل صلى الله عليه وسلم في أمر مستحيل، لا سيما بعد تقدم موسى عليه السلام في سؤال الرؤية، وما كان منه، فلو كانت غير جائزة أو مستحيلة لما سألها صلى الله عليه وسلم، فلما سألها دل على الجواز، وبطل ما قال أهل العناد. وبالله التوفيق.
ويدل على صحة جواز الرؤية إجماع الصحابة على جوازها في الجملة، وإنما اختلفوا هل عجلها لنبيه صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج أم لا ؟ على قولين، ولو لم يقع الاتفاق منهم على جوازها، لما صح هذا الاختلاف، فما وقع هذا الاختلاف فقال بعضهم: عجل ذلك له في الدنيا قبل الآخرة. وقال البعض: لم يرد دليل على الجواز في الجملة وأنه متفق عليه، وإلا كان يقول لمن قال بأنها لم تعجل: فكيف تجوز الرؤية وهي مستحيلة عليه، فلما لم يقل ذلك أحد منهم دل على إجماعهم على جوازها. فاعلم ذلك.
ويدل على ذلك من جهة العقل: أنه تعالى موجود، والموجود لا يستحيل رؤيته، وإنما يستحيل رؤية المعدوم. وأيضاً فإنه تعالى يرى جميع المرئيات، وقد قال تعالى: " ألم يعلم بأن اللّه يرى " وقال. " الذي يراك " وكل راء يجوز أن يرى؛ ولا يجوز أن تحمل الرؤية منه تعالى على العلم، لأنه تعالى فصل بين الأمرين، فلا حاجة بنا أن نحمل أحدهما على الآخر، ألا ترى أنه سمى نفسه عالماً، وسمى نفسه مريداً، ولا أن نحمل الإرادة على العلم، كذلك لا نحمل الرؤية على العلم. فاعلمه.
الإنصاف للباقلاني - (ج 1 / ص 71)
جواب آخر: وهو أن الصحابة سألوا الرسول عليه السلام: هل نرى ربنا ؟ فقال: نعم ولا يجوز أن يكون سؤالهم: هل نعلم ربنا أو يعلمنا ربنا؛ فبطل قول من يحمل الرؤية على العلم، ولهذا أجاب صلى الله عليه وسلم: سترونه كما يرى القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب وكما ترى الشمس ليس دونها سحاب يعني لا تشكون في رؤيته كما لا يشك من رأى القمر والشمس فيها، فشبه الرؤية بالرؤية في نفي الشك عن الرائي، ولم يشبه المرئي بالمرئي. فاعلم ذلك.
فصل
في ذكر الأجوبة عن آيات يحتجون بها، وأخبار، وشبه في نفي الرؤية.
فإن احتجوا بقوله تعال: " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار " قالوا: فأخرج ذلك مخرج التمدح، كما تمدح بقوله تعالى: " بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد " فكيف يجوز أن يزول عن مدحته، فالجواب عن هذه الآية من وجوه عدة: أحدها: أن يقال لهم: ما أنكرتم على قائل يقول لكم، لا حجة لكم في ذلك، لأن التمدح إنما وقع في قوله تعالى: " وهو يدرك الأبصار " لأن كون الشيء لا يدرك بالأبصار لا يدل على مدحه، ألا ترى المعدوم لا تدركه الأبصار، ولا يوجب كون ذلك مدحة له، وكذلك عندكم العطور والروائح وأكثر الأعراض لا تدرك بالأبصار، وليست بممدوحة، لأنها لا تدركها الأبصار.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون متمدحاً بأنه يدرك الأبصار وأنها لا تدركه ؟ قيل لهم: لأن للوصفين الذين يتمدح بهما لا بد أن يكون في كل واحد منهما مدح بمجرده نحو قوله تعالى: " عزير حكيم " و " عليم قدير " فكل واحد من الوصفين مدح في نفسه، تجدد أو انضم إلى غيره، ولما لم يكن كون المعدوم غير مدرك بالبصر مدحاً له عندنا وعندكم بطل ما قلتم.
جواب آخر: وهو أن نقول الآية حجة عليكم وذلك قوله: " وهو يدرك الأبصار " فحسب، وإنما أراد أنه يدرك جميع المرئيات، فأثبت تعالى أنه يرى الأشياء لأنه موجود، قادر على الرؤية، وسائر الأشياء الموجودة التي يجوز أن ترى، لكن تمدح تعالى بأن كل راء يجوز أن يرى، لكن هو تعالى مع جواز رؤيته منعنا من الإدراك له، بأن يحدث في أبصارنا مانعاً يمنعنا من رؤيته؛ فالمدح وقع بكونه قادراً على ذلك دون غيره من الخلق، فصار هذا بمنزلة تمدحه تعالى بكونه محيياً مميتاً، أي لا يقدر على ذلك غيره، وإن جاز أن يميت الحي ويحيي الميت، فكذلك لا يمدح تعالى بأن يحدث مانعاً في البصر من الإدراك، وإن جاز أن يزيل ذلك المانع حتى نراه تعالى بلا كيف، ولا شبه، ولا تحديد. فاعلم ذلك.
جواب آخر: وهو أن المعتزلة لا يصح لهم الاحتجاج بهذه الآية؛ لأن عند البصريين منهم أنه لم يعن بالإدراك الرؤية، لأن البصر عندهم عرض؛ فلا يدرك عند البغداديين منهم: أنه تعالى لا يرى شيئاً، إنما المراد بالإدراك العلم، فهو يعلم الأبصار عندهم، والأبصار لا تعلمه، فبطل احتجاج الجميع منهم بهذه الآية، لأن عندهم لا يراد بالإدراك الرؤية، فلا يصح لهم الاحتجاج بها في نفي الرؤية.
جواب آخر: وهو أن الآية لا حجة فيها، لأنه قال: " لا تدركه الأبصار " ولم يقل لا تراه الأبصار، والإدراك بمعنى يزيد على الرؤية، لأن الإدراك: الإحاطة بالشيء من جميع الجهات، والله تعالى لا يوصف بالجهات، ولا أنه في جهة، فجاز أن يرى وإن لم يدرك، وهذا كما قال تعالى في قصة اللعين فرعون: " حتى إذا أدركه الغرق " يعني أحاط به من جميع جوانبه، فالغرق لا يوصف بأنه يرى، وإنما يوصف بأنه أحاط بالشيء. كذلك المؤمن يوصف بأنه يرى ربه ولا يدركه بالإحاطة، وهذا كما نقول: إنا نعلم ربنا، ولا نقول إنا نحيط بربنا، فكما كانت الإحاطة معنى يزيد على العلم كذلك الإدراك معنى يزيد على الرؤية، وهذا صحيح. لأنا نجمع بين قوله تعالى: " فاعلم أنه لا إله إلا اللّه " وبين قوله: " ولا يحيطون به علماً " ونجمع بين قوله تعالى: " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " وبين قوله تعالى: " لا تدركه الأبصار " فنقول: معلوم ولا يحاط به، ومرئي ولا يدرك. فصح ما قلناه، وبطل قول الغير.
جواب آخر: أن معنى الآية لا تدركه الأبصار في الدنيا، وإن جاز أن تدركه في الآخرة، ليجمع بين قوله تعالى: " لا تدركه الأبصار " وبين قوله تعالى: " إلى ربها ناظرة " .
الإنصاف للباقلاني - (ج 1 / ص 72)
جواب آخر: " لا تدركه الأبصار " يعني أبصار الكفار دون المؤمنين، ليجمع بين قوله تعالى: " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " وبين قوله تعالى: " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " وهذا صحيح؛ لأن الحجاب لما كان للكفار دون المؤمنين، كذلك الرؤية للمؤمنين دون الكفار.
جواب آخر: وهو أن أبصار الخلق لا تدركه في الدنيا والآخرة؛ لأن هذه الأبصار جعلت للفناء، وإنما يحدث لهم بصراً غير هذا البصر، ويكون باقياً غير فان فيرى الباقي بالباقي، وقد قيل: إنه تعالى يحدث لأوليائه حاسة سادسة غير هذه الحواس الخمس يرونه بها. وقال هذا القائل: الله أخبر في كتابه العزيز: أنه يراه أهل الجنة، وخبره حق لا يدفع بالشبهة، ولا يمكن الجمع إلا بما قلناه من إحداث حاسة يرى بها الله تعالى، دون هذه الحواس. والله أعلم بالصواب.
جواب آخر: وهو أن يحمل " لا تدركه الأبصار " على أنها لا تدركه في جهة، ولا تدركه جسماً ولا صورة ولا متحيزاً ولا حالاً في شيء " وهو يدرك الأبصار " على جميع هذه الصفات، وتكون الحكمة فيه الرد على النصارى وأهل التشبيه ومن يقول بالجهة والحيز والصورة، وغير ذلك مما لا يليق به سبحانه وتعالى.
فإن احتجوا بقوله تعالى: " يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا اللّه جهرة " فأكبر الله هذا السؤال فأنكره.
قيل لهم: لا حجة لكم في ذلك، لأن الله تعالى ما أكبر ذلك لكونه مستحيلاً، وإنما أنكره لأنهم سألوه ذلك على وجه التعنت، ألا ترى أنه أنكر عليهم سؤالهم تنزيل الكتاب من السماء، وليس ذلك بمستحيل، وإنما أنكروا استكباراً وتعنتاً منهم لمحمد صلى الله عليه وسلم وتشكيكاً للناس في نبوته؛ لأن عندهم التوراة، والإنجيل، والفرقان، وكل ذلك منزل من عند الله، وإنما أرادوا بذلك التلبيس على العوام، حتى لا يصدقوا بنبوته صلى الله عليه وسلم، وتركوا ما أوجب الله عليهم من الإيمان به في التوراة والإنجيل، كما قال تعالى: " الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل " فإكباره تعالى سؤالهم ذلك لأجل هذه المعاني لا يكون ذلك مستحيلاً. وهذا كما أنكر تعالى سؤال قريش لما قالوا: " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً أو تكون لك جنة من نخيل وعنب أو ترقى في السماء " وكل ذلك جائز غير مستحيل، لكن أنكره عليهم وأكبره لما كان ذلك على وجه التعنت والتكذيب، لما قد وضح من آياته وحججه، وكذلك أنكر سؤالهم الرؤية لموسى عليه السلام على وجه التعنت، لا لكونها مستحيلة.
فإن احتجوا بالخبر المروي عن عائشة رضي الله عنها لما قال لها ابن الزبير وهو ابن أختها يا أماه: هل رأى محمد ربه ؟ فقالت: يا ابن أختي لقد قف شعر بدني، والله تعالى يقول: " وما كان لبشر أن يكلمه اللّه إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء " قالوا: فموضع الدليل من الخبر أنها أكبرت ذلك ونفت الرؤية عن الله تعالى؛ فدل أن ذلك مستحيل في حقه سبحانه وتعالى. الجواب من أوجه: أحدها: أن ابن عباس رضي الله عنه وغيره من الصحابة قد صرحوا بأن محمداً رأى ربه ليلة أسرى به بعيني رأسه، ولو كان ذلك مستحيلاً لم يقع الخلاف فيه بين الصحابة، كما لم يقع بينهم الخلاف في ما هو مستحيل على الله تعالى من الولد والزوجة والشريك ونحو ذلك. فلما وقع بينهم الخلاف في ذلك وانقرض عصرهم على ذلك، دل على أن الرؤية جائزة غير مستحيلة. فبطل ما ذكر.
وجواب آخر: وهو أن عائشة رضي الله عنها إنما خالفت فيما رأى به محمد ربه، فعندها رآه بالقلب دون العين، وعند غيرها من الصحابة رآه بالقلب والعين معاً، فقد وقع الإجماع منهم على جواز الرؤية عليه تعالى، وإنما اختلفوا فيما به رآه، لا أصل جواز الرؤية عليه، لأن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم رؤية حقيقية لا رؤية مجاز، بخلاف الواحد منا، لأن رؤيته بالقلب قد تكون حقيقة وقد تكون تخيلاً ومجازاً، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: تنام عيناي، ولا ينام قلبي وقال عليه السلام: إني أراكم من وراء ظهري ورؤية الأنبياء عليهم السلام حقيقة بالقلب والعين.
الإنصاف للباقلاني - (ج 1 / ص 73)
دليله: قصة إبراهيم عليه السلام: " إني أرى في المنام أني أذبحك، قال يا أبت افعل ما تؤمر " فصح أن الإجماع قد وقع من الصحابة رضي الله عنهم في جواز الرؤية على الله تعالى، وإن وقع الخلاف بما رآه الرسول عليه السلام ليلة الإسراء، فصار ذلك حجة على المخالف لا له.
جواب آخر: وهو أن عائشة رضي الله عنها إنما أنكرت رؤية الباري بأبصار العيون في دار الدنيا، لا على الإطلاق، ولهذا روى عن أبيها وعنها رضي الله عنها وعن جميع الصحابة أنهم فسروا قوله تعالى: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " قالوا: الزيادة النظر إلى الله تعالى في الجنة، وقد روى هذا مرفوعاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فصح مذهب أهل السنة والجماعة بحمد الله تعالى، وبطل شبه المخالف واندحض مكره. ولله المنة والحجة البالغة.
فإن احتجوا فقالوا: لو جاز عليه سبحانه وتعالى الرؤية بالأبصار لوجب أن يكون جسماً، أو جوهراً، أو عرضاً، أو محدوداً، أو حالاً في مكان، أو مقابلاً أو خلفاً، أو عن يمين. أو عن شمال، أو يكون من جنس المرئيات؛ لأننا لم نعقل مرئياً بالبصر إلا كذلك، فلما استحال عليه جميع هذه الوجوه بطل أن يكون مرئياً، أو يجوز عليه الرؤية، وهذا في تصورهم الفاسد من أعظم الحجج عندهم في نفي الرؤية عنه سبحانه وتعالى، وهي عند أهل السنة والجماعة من أسقط الحجج فليس هو اليوم مرئياً لخلقه ومدركاً لهم، ولا تجوز الإشارة في وصفه تعالى.
فالجواب أن نقول لهم: هذه الحجة الباطلة تؤدي إلى إبطال الربوبية أصلاً ورأساً، أو تؤدي إلى إيجاب كون ربنا تعالى يشبه المخلوقات، لأن من أنكر الصانع القديم يقول لنا: لو كان لنا صانعاً لوجب أن يكون جسماً، أو جوهراً، أو عرضاً، أو ذا علة وطبع وآلة، وغير ذلك؛ لأنا لم نعقل صانعاً إلا على هذه الأوصاف، وأنتم تنفون عنه جميع هذه الأوصاف، فبطل أن يكون ثم صانع، بل تصنع نفسها أو يصنعها من هو على هذه الأوصاف، وكذلك نقول: في العلم والحياة، لأن العالم، والحي، لا يعقل إلا جسماً، أو جوهراً، أو عرضاً، أو ذا علة أو فكر، أو روية وغير ذلك. وقد وقع الإجماع منا ومنكم أنه عالم، وأنه حي، وأنه معلوم بالقلب، وأنه موجود؛ ثم كونه عالماً ومعلوماً، وموجوداً يصح وصفه بجميع ذلك، وإن لم يكن جسماً، ولا جوهراً، ولا عرضاً، ولا ذا علة، ولا محدوداً ولا حالاً في مكان، بخلاف العالم منا، والمعلوم منا، والموجود منا. فكذلك لا يستحيل أن يكون مرئياً وليس ذا جسم ولا جوهر ولا عرض، فبطل زعمكم وصح الحق وظهر أمر الله وأنتم كارهون.
فإن احتجوا فقالوا: لو كان تعالى مرئياً، أو تجوز عليه الرؤية لرأيناه الساعة لأن الموانع من الرؤية يستحيل وصفه بها؛ لأنه لا يوصف بالدقة والرقة، والحجاب والبعد، وكل مانع من الرؤية. فلو جاز أن يكون مرئياً لرأيناه الساعة لانعدام هذه الموانع في حقه.
فالجواب: أن جميع ما ذكرتم لا يمنع من الرؤية، لأن الملائكة فيهم من الدقة، واللطافة، ما ليس في غيرهم، وبعضهم يرى بعضاً، والميت يراهم عند النزع، والرسول كان يرى جبريل عليه السلام، فبطل أن تكون الدقة، والرقة، واللطافة، مانعة من الرؤية. وكذلك البعد لا يمنع الرؤية، لأن السماء أبعد الأشياء منا والكواكب فيها، لأن بيننا وبينها خمسمائة عام، ونحن نراها، ولم يمنعنا بعدها من رؤيتها، وكذلك الحجاب لا يمنع من الرؤية؛ لأن الله تعالى يرى ما تحت التحت، ودونه ألف ألف حجاب عند الخلق. وكذلك الهدهد يرى الماء من تحت الأرض ودون حجاب وحجاب، فبطل أن يكون جميع ما ذكرتم هو المانع من الرؤية، حتى يجب أن نراه الساعة.
الإنصاف للباقلاني - (ج 1 / ص 74)
فإن قيل: فما المانع من الرؤية الساعة له تعالى ؟ قلنا: إن المانع هو ما خلقه في أبصارنا من قلة الإدراك لبعض المرئيات دون بعض، فإذا خلق فينا إدراكاً رأينا مرئياً لم نكن نراه من قبل؛ ألا ترى أن الواحد منا لا يرى اليوم ملك الموت إذا نزل بأخيه وأبيه، ويراه إذا نزل به، وليس ذلك إلا لأنه لم يخلق الله في بصره إدراكاً له عند موت غيره، وخلق في بصره إدراكاً له عند موته. وكذلك الفرس، والهر وكثير من الحيوان يرون الصورة والشخص في ظلام الليل وسواده، ونحن لا نرى ذلك؛ وما ذلك إلا لأن الله تعالى خلق في بصرها إدراكاً حتى رأت، ولم يخلق في أبصارنا إدراكاً حتى نرى، كما ترى؛ فكذلك لم يخلق في أبصارنا إدراكاً له في الدنيا حتى نراه، ويخلق لنا إن شاء الله في جنته إدراكاً حتى نراه، كما وعدنا ووعده الحق الصدق الذي لا يخلف.
فإن قالوا: وإذا كان الأمر كذلك، فجوزوا أن يخلق الله لكم إدراكاً ترون به ذرة، ويخلق فيكم عدم إدراك فيل إلى جنبها. قلنا: هذا جائز في قدرته سبحانه وتعالى، ولهذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه في الصلاة لما عرضت عليه الجنة والنار، ونظر إلى كل واحدة منهما في عرض الحائط، وهما من أعظم المخلوقات، وأصحابه كانوا يدركون الذرة على ثوبه صلى الله عليه وسلم، ولون ثوبه مع صغر ذلك، ولم يدركوا ما أدرك. ولم يروا ما أرى، ولا يقدح في هذا إنكار من أنكر من المعتزلة، أن الجنة والنار لم تخلقا بعد، لأن الكل منهم سلم إلى الرسول عليه السلام أنه قد رأى في هذه الحالة شيئاً من الجنة والنار، أو ما هو على صورهما، يخلق منهما إذا خلقتا، واختص هو صلى الله عليه وسلم برؤية ما لم يره أصحابه، وإن كانوا يرون الذرة لو دبت على قميصه صلى الله عليه وسلم، وإن لم يروا ما هو أكبر منها وأعظم. وأبين من هذا: أن بعض الخلق يدرك صوتاً خفياً جداً، ولا يدرك صوتاً عالياً جداً، وإن وجد الصوتان في وقت واحد، ومسافة واحدة، وقد رأينا ذلك عياناً؛ فإن بعض الطرش إذا تكلم عنده رجل فأخفى صوته غاية الإخفاء، وتكلم آخر عنده بصوت من أعلى الأصوات أدرك الصوت الخفي، ولم يدرك الصوت العالي؛ وليس ذلك إلا لما ذكرناه، وهو أن الله تعالى خلق في سمعه إدراك الصوت الخفي، ولم يخلق في سمعه إدراك الصوت العالي، فكذلك يجوز أن يخلق في بصرنا إدراك الذرة الصغيرة، ويخلق فيها مانعاً من إدراك الفيل الكبير " واللّه على كل شيء قدير " .
فإن قيل: فإذا كان كذلك فيجب أن يجوز أن يكون بحضرتنا ذرة ننظر إليها وندركها، ويجوز أن يكون إلى جنبها فيلة وأجمال وأنهار جارية، لأن ذلك جائز في المقدور، أو نشك في ذلك، ولعله يكون بحضرتنا ونحن لا نراه.
الجواب: أن هذا تخبط وجهل وقلة فهم؛ لأنه لا يلزمنا أن يجوز أن يكون بحضرتنا كل ما هو جائز في مقدور الله تعالى، ولا نشك فيه، لأن ذلك لو لزم للزمنا أن نجوز أن يكون بحضرتنا وعندنا في الدنيا جنة ونار، ونشك في ذلك؛ لأن الله تعالى قادر على ذلك، ولما لم يلزم ذلك لم يلزم ما ذكرتم، وكذلك أيضاً من الجائز في قدرته تعالى أن يخلق اليوم رجلاً لا من ذكر ولا من أنثى، ثم لا يجب علينا أن نجوز أنه الآن عندنا موجود أو نشك فيه، فكذلك ما قلتم، وكذلك أيضاً يجوز في مقدور تعالى أن يميت أهل بلدة نحن فيها كلهم، ثم لا يلزم أن يجوز ذلك الآن أو نشك فيه، فكذلك ما قلتم؛ فليس كل جائز يجب أن يكون بحضرتنا، أو نشك فيه؛ فبطل ما قلتم، وصح الحق.
فإن احتجوا فقالوا: لو جاز أن يكون مرئياً لجاز أن يقال: يرى كله أو بعضه.
فالجواب: أن هذا محال من القول؛ لأن إطلاق الكل والبعض إنما يجوز على من كان ذا كل أو بعض، والله تعالى منزه عن الوصف بالكل والبعض، وهذا بمنزلة قائل يقول لنا: لو كان معلوماً لجاز أن نقول: نعلم كله أو بعضه، فنقول له: لا نقول نعلم كلاً ولا بعضاً، بل نقول نعلم واحداً أحداً فرداً صمداً: " ليس كمثله شيء " فكذلك نقول: نرى واحداً أحداً فرداً صمداً ليس كمثل شيء وهو السميع البصير.
فإن قيل: لو كان أهل الجنة يرون ربهم تعالى ثم لا يرونه لكانت أحوالهم قد تناقضت وعادت من منزلة أعظم إلى منزلة أدون، ولا يجوز أن تتناقص أحوال أهل الجنة.
الإنصاف للباقلاني - (ج 1 / ص 75)
فالجواب: أن الأمر ليس على ما يقع لكم، لأن تناقص الأحوال أن يريد المرء حالة عالية فيبقى في حالة ناقصة، أو يريد ملاذاً فلا يصل إليها، عالية كانت أو دون ذلك، فأهل الجنة بحمد الله تعالى قد تكاملت حالتهم، إذ كانوا بحيث إذا شاؤا رأوا ربهم، وإذا شاؤا اشتغلوا بملاذهم، ولا يكون ذلك نقصاً في أحوالهم، ولا يلزم على هذا التقرير أن يقال: فهذا نقص في حق أهل الجنة إذا شاؤا الخلوة بالتلذذ عن رؤية ربهم تعالى. قيل هذا يلزمكم أنتم دوننا، لأنا نحن نقول: هم " لا يشاؤن إلا ما شاء اللّه لهم " فهم به وله في كل أحوالهم، فإذا شاء لهم الرؤية شاؤوها وتلذذوا بها، وإذا شاء لهم الخلوة شاؤوها وتلذذوا بها، ولا نقص عليهم في ذلك، ولا يلزم ما قلتم.
جواب آخر: وهو أن أهل الجنة يجتمعون بالنبي صلى الله عليه وسلم، وينظرون إليه، والاجتماع به والنظر إليه أعلى من الاجتماع بالحور والقصور، والنظر إلى الحور والقصور، ثم يشتغلون بالحور والقصور بعد نظره صلى الله عليه وسلم، وإن عادوا إلى قصورهم ونعيمهم، وإن كان نظره أعظم وأعلى من ذلك، فجاز مثل ذلك أيضاً في جواز رؤية الباري، وإن كانت أعلى الأشياء وأجلها، فثبت ما قلناه، وبطل التمويه بحمد الله.
فإن قيل: إذا كان مرئياً فخبرونا ما هو ؟. قيل لهم إن أردتم بقولكم: ما هو: أي ما صورته، وجنسه، وطوله، وعرضه إلى غير ذلك مما لا يجوز عليه، فليس بذي صورة ولا جنس ولا طول ولا عرض، وقد قدمنا الأدلة على أنه لا يشبه خلقه ولا يشبهونه. وإن أردتم بقولكم ما هو: ما اسمه ؟ فاسمه: الله، الرحمن، الرحيم، الحي، القيوم، وإن أردتم بقولكم ما هو صنعه ؟ فصنعه: العدل، والإحسان، والإنعام، والسموات والأرض وجميع ما بينهما، وإن أردتم بقولكم ما هو. ما الدلالة على وجوده ؟. فالدلالة على وجوده جميع ما نراه ونشاهده من محكم فعله وعجيب تدبيره، وإن أردتم بقولكم ما هو ؟ أي أشيروا لنا إليه حتى نراه، ولم أنها لا تصح إلا في المسجد ؟..... ؟ جواب آخر: وهو أن هذه الأخبار تحمل على وجه التغليظ والمبالغة في الزجر، حتى يقف الناس عن هذه الأمور ولا يقدموا عليها، وهذا كقول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم فليقض بين الجد والإخوة. ولم يرد عليه السلام الإعراض عن الحكم أصلاً بين الجد والإخوة، فإنه قد حكم عدة نوب بقضايا مختلفة بين الجد والإخوة.
فإن قيل: فإذا كان مرئياً فكيف هو ؟ قيل لهم: إن أردتم بقولكم كيف هو: على أي تركيب، أو على أي صورة هو، أو على أي جنس هو ؟ فلا تركيب له، ولا صورة ولا جنس فنخبركم عن ذلك، وإن أردتم بقولكم كيف هو وعلى أي صفة هو ؟ فهو قديم، حي، عالم، قادر، متكلم، سميع، بصير، مريد، وإن أردتم بقولكم كيف هو، كيف صنعه إلى خلقه. فصنعه إليهم الإحسان، والعدل، والتفضل، والامتنان، فإن قيل إذا كان مرئياً فأين هو ؟ قيل لهم إن أردتم أين هو في وصف المنزلة والرفعة والجلال فهو كما وصف نفسه بقوله تعالى: " وهو القاهر فوق عباده " وبقوله: " الرحمن على العرش استوى " وبقوله تعالى: " وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله " ، وبقوله تعالى: " إن ربك لبالمرصاد " قيل لهم: الأين سؤال عن مكان وليس هو مما يحويه مكان، لما قدمنا من الحجج والبراهين بحمد الله الملك المنان. وحسبي الله ونعم الوكيل.

No comments:

Post a Comment